الغزالي
149
إحياء علوم الدين
كدود القز ينسج دائما ويهلك غما وسط ما هو ناسجه ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه ، إهلاك دود القز نفسه ، رفضوا الدنيا بالكلية . حتى قال الحسن : رأيت سبعين بدريا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم . وفي لفظ آخر . كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء ، لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا ما لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا شراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب . وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول أخاف أن يفسد علي قلبي فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده . والذين أمات حب الدنيا قلوبهم فقد أخبر الله عنهم إذ قال تعالى * ( ورَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأَنُّوا بِها والَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ « 1 » ) * وقال عز وجل * ( ولا تُطِعْ من أَغْفَلْنا قَلْبَه ُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواه ُ وكانَ أَمْرُه ُ فُرُطاً « 2 » ) * وقال تعالى * ( فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ « 3 » ) * فأحال ذلك كله على الغفلة وعدم العلم . ولذلك قال رجل لعيسى عليه السلام : احملني معك في سياحتك . فقال أخرج مالك والحقنى . فقال لا أستطيع . فقال عيسى عليه السلام : بعجب يدخل الغنى الجنة . أو قال : بشدة وقال بعضهم : ما من يوم ذرّ شارقه إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ، ملكان بالمشرق ، وملكان بالمغرب ، يقول أحدهم بالمشرق . يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقصر . ويقول الآخر . اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا . ويقول اللذان بالمغرب أحدهما . لدوا للموت ، وابنوا للخراب . ويقول الآخر . كلوا وتمتعوا الطول الحساب بيان علامات الزهد اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد . وليس كذلك . فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد . فكم من الرهابين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ، ولازموا ديرا لا باب له ، . وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ، ونظرهم إليه ، ومدحهم له . فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة . بل لا بد من الزهد في المال والجاه جميعا ،
--> « 1 » يونس : 7 « 2 » الكهف : 28 « 3 » النجم : 29 ، 30